
حين نضع عنوان «١٩٠٠: أو الرئيس الأخير» إلى جوار اسم دونالد ترامب، الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، يبدو السؤال مغريًا: هل كتب إنغرسول لوكوود عن زمن لم يعشه؟ غير أن الإجابة تبدأ من صفحات الرواية، ومن التمييز بين ما ورد فيها وما أُسقط عليها لاحقًا. النص صدر سنة ١٨٩٦، ورئيسه المتخيل هو برايان، وليس ترامب.
هذه قراءة في النص وسياقه، لا توقع سياسي لمستقبل الولايات المتحدة. وتستند صفة ترامب بوصفه الرئيس الحالي، عند نشر المقال، إلى الموقع الحكومي الأمريكي USAGov.
في هذا المقال
برايان في الرواية، وماكينلي في التاريخ
تبدأ الحكاية في نيويورك ليلة الثالث من نوفمبر ١٨٩٦، مع إعلان متخيل لفوز برايان. يرسم لوكوود الاضطراب الذي يعقب هذا الخبر، ثم ينتقل إلى إدارة جديدة وصراع حول المال والمؤسسات. أما نتيجة الانتخابات الحقيقية فكانت فوز وليام ماكينلي؛ ويثبتها سجل الأرشيف الوطني الأمريكي.
هذا الاختلاف ليس تفصيلًا هامشيًا. فالعمل يصوغ احتمالًا سياسيًا بديلًا انطلاقًا من أسماء ومنازعات عرفها عصره. لذلك فإن اختزال بطله في عبارة «رئيس غير متوقع» يحذف الاسم الذي يذكره الكتاب صراحة، ويفتح الباب أمام إلصاق الحكاية بشخصيات أخرى.
أين يظهر اسم ترامب؟ في كتاب آخر
كتب لوكوود أيضًا «رحلة بارون ترامب العجيبة تحت الأرض»، التي تحمل صفحة عنوانها الأصلية سنة ١٨٩٣. بطلها يدعى بارون ترامب، وهي مغامرة خيالية تختلف في شخصياتها وموضوعها عن «الرئيس الأخير». وتذكر مقدمتها الاسم الكامل للشخصية، فيلهلم هاينريش سيباستيان فون ترومب، كما تظهر في بدايتها مخطوطة للعالم «دون فوم».
وجود اسم ترامب في هذا الكتاب حقيقة نصية. نقله إلى «الرئيس الأخير»، أو تقديم «دون فوم» باعتباره اسمًا آخر لدونالد ترامب، استنتاج لا تثبته الصفحات. التشابه اللفظي وحده لا يثبت وحدة الشخصيات ولا قصد المؤلف إلى الإشارة إلى أشخاص من المستقبل.
فندق الجادة الخامسة واسم بنس
في الفصل الأول من «الرئيس الأخير» يرد فندق الجادة الخامسة، بوصفه مكانًا يتهدده غضب الجموع. النص يسمي فندقًا، ولا يذكر برج ترامب. وفي قائمة الحكومة المتخيلة في الفصل الرابع يرد «لايف بنس» وزيرًا للزراعة. الاسم الأول والمنصب مكتوبان بوضوح؛ فلا يصح اختزالهما في لقب «بنس» وحده، ثم التعامل مع اللقب كأنه إثبات لتطابق تاريخين.
تصلح مثل هذه التفاصيل لبدء المقارنة، لكنها لا تعفي القارئ من فحص الفروق. كلما استُبعد الاسم الكامل، والمنصب، وتاريخ الحدث، صار من الأسهل تركيب حكاية جديدة من أجزاء متفرقة؛ وعندئذ نكون قد ابتعدنا عن الرواية التي نحاول فهمها.
سياق النقد والسلطة
كان الخلاف على الذهب والفضة من قضايا انتخابات ١٨٩٦. يوضح متحف التاريخ الأمريكي التابع لمؤسسة سميثسونيان أن ماكينلي دافع عن قاعدة الذهب، بينما دعا برايان إلى توسيع سك الفضة. ويحضر هذا الخلاف في الرواية حضورًا مباشرًا، من شعارات الجموع إلى القرارات الاقتصادية.
ومن هنا يمكن، بوصفه تأويلًا أدبيًا، قراءة الكتاب على أنه تصوير لمخاوف سياسية واجتماعية محددة، تصوغه لغة منحازة وحادة. أما تحويله إلى وثيقة تتنبأ بترامب أو تثبت أنه «آخر رئيس» فلا يسنده ما تقدم من نصوص ووثائق. عنوان الرواية جزء من عالمها المتخيل، وليس نتيجة تاريخية تخص رئيسًا معاصرًا.
قراءة تترك للنص حقه
تظل المقارنة بين الأدب والحاضر بابًا مشروعًا للتفكير، بشرط أن تبقى الفرضية فرضية، وأن تظل الوقائع قابلة للفحص. ويمكن للقارئ العربي الرجوع إلى طبعة كنزي من «١٩٠٠: أو الرئيس الأخير»، بترجمة مصطفى يونس، لقراءة العمل نفسه بدل الاكتفاء بالتشابهات المعزولة. والعودة إلى الكتاب تمنح النقاش مادة أغنى من وعد بمعرفة الغيب.
المصادر
- «١٩٠٠: أو الرئيس الأخير»: النص الأصلي، خصوصًا الفصلين الأول والرابع.
- مكتبة الكونغرس: بيانات نشر الرواية سنة ١٨٩٦.
- «رحلة بارون ترامب العجيبة تحت الأرض»: صفحة العنوان والمقدمة والفصل الأول.
- الأرشيف الوطني الأمريكي: نتائج انتخابات ١٨٩٦.
- مؤسسة سميثسونيان: الذهب والفضة في انتخابات ١٨٩٦.
- USAGov: الرئيس الحالي للولايات المتحدة.
